![]()
|
رسائل تنشر لأول مرة للدكتور عصمت سيف الدولة (الجزء
الأول) وفي
هذه
الدراسة المقتضبة سنحاول
التطرق إلى النظام الإقليمي
العربي:
نشأته و مراحل تطوره. لقد
نشأت الدول العربية
القطرية
بعد الحربين
الأروبية الأولى و الثانية،
و في ظل
التواجد الاستعماري المباشر.
إن هذه الظروف التي صاحبت
تركيز الدول العربية مازالت
غامضة تستحق الدراسة و البحث. و
لربما الفشل الذي
تعانيه هذه
الدول و عجزها عن الإقلاع في
اتجاه التقدم
يعود إلى طبيعة هده الولادة.
وتحاول هده الدول إن
تصبغ لنفسها مشروعية مفقودة
لكنها لم تنجح فالصراع
اشتد بين جهاز الدولة
و الشعب و تزداد الغربة كل
يوم بين هذا الجهاز
و
بين أغلبية الشعب ما عدا
المنتفعين من هذا الجهاز.
و هناك من يذهب حتى إلى
اعتبار إعلان قيام
الجامعة الـعـربية سنة 1945
والـتـحاق ما
تبقى
من الدول العربية بهذه المؤسسة
بعد حصولها على استقلالها
السياسي كان
محاولة من قبل الدوائر
الغربية لتأبيد وضع التجزئة و
التفتيت.
فالدول
العـربية و
إن اختلفت تـوجهاتها جمهورية أو
ملكية ثـورية أو رجعية فإنها
تحتكم في سياساتها الخارجية و
الداخلية لميثاق الجامعة
العربية كإطار عم للعلاقات
العربية-العربية والذي ينص في كذا
نص على ضرورة احترام حسن الجوار
و رعاية الحدود و عدم التدخل في
الشؤون الداخلية . فبهذا الشكل
فان وجود
الجامعة العربية
يعني اعتراف
صـريح بمعاهدات سايكس-
بيكو و كل مشاريع التقسيم التي
تعرض لها الوطن
العربي. ذلك
أن وجود مؤسسة
بهذا الشكل هو في نهاية الأمر
عملية
تقنين لحالة التفتيت.
النظام
الإقليمي العربي
نشأ مع التغيرات التي شهدها
النظام الاستعماري،
تنازل عن الحضور المباشر
واستعداده إعلان استقلال بعض
الدول العربية مع الحفاظ على
واقع التبعية.
فتأسست جامعة الدول
العربية، بمباركة غربية،
و هكذا تم
تأجيل مشروع الدولة القومية
في الوطن العربي .
و
بتسلم بعض القيادات السياسية ذات
التوجه الوحدوي دفة السلطة فإن
مشروع الدولة
القومية سيطرح بحدة و داخل
أروقة الجامعة
العربية. لكن المفارقة الكبرى
أن هذه
القيادات الرافعة يفطة الوحدة
القومية كانت هي ذاتها على رأس
الدولة القطرية. ملتزمة
بميثاق الجامعة العربية الذي
ينص صراحة على احترام
الحدود بين الدول العربية
معلنة
في نفس الوقت أنها تسعى
لتحقيق الوحدة القومية
العربية. إن احتداد الصراع بين
القيادات الاقليمية
و القيادات الوحدوية, لم يغير
كثيرا في أرض الواقع. فالحدود
كما سطرت و ازدادت أجهزة الدولة
الاقليمية في ميدان القمع
الداخلي، سواء تحت الشعارات
الوحدوية أو تحت الشعارات
الرافضة للوحدة العربية. لقد
تمكنت الدولة الاقليمية من
احتواء "الرجعيين" و "التقدميين"
و تحولوا شيئا فشيئا خندقا
واحدا كلا يدافع على دولته و إن
اختلفت الشعارات .
والآن
كلها تعاني الانهيار. فكلها
عاجزة على إعلان سيادتها فهي
مضطرة إلى القوات الأجنبية
للحفاظ على وجودها أمام
جماهيرها. إن الدولة الاقليمية
سواء حكمت
باسم الشعارات الاقليمية أو
الوحدوية أصبحت عنوانا للفشل و
الهزيمة. و
هنا يطرح تساؤل كبير هل يمكن
الحديث عن دول و هي تفتقد إلى
أبسط المقومات ألا و هو
عنصر
السيادة.
فما
هي الظروف التي صاحبت نشأة هذا
النظام الذي يعرف الآن باسم
الجامعة العربية؟ و ما هي أهم
المراحل التي قطعها؟
و هل يمكن التطلع إلى تقدم
عربي داخل هدا النظام الإقليمي
العربي؟
حول
نشاة النظام الإقليمي العربي:
لئن
بدت عملية التوسع الاستعماري في
نهاية القرن الثامن عشر تدفعها
رغبته في السيطرة
الاقتصادية على كل الثروات فانه
ما
كان
لها أن تحقق هذا التوسع دون
محاولة تدمير المقومات
الحضارية
والثقافية للعديد من الأمم
منها الأمة
العربية حتى تسهل له عملية
السيطرة. فالغرب
يعلم أن استفاقة الأمة العربية
من غفوتها و نهوضها بعد
كبوتها و استعادتها لقوتها
ووحدتها يعني نهاية هده الحملة
الظالمة. فالخطة الاستعمارية
سعت
:
أولا:
خلق واقع
تجزئة في الوطن العربي
و تدعيم هذا
الواقع من خلال البحث عن أبعاد
جديدة ثقافية و حضارية
و
إعطاء
مشروعية
لكل مظاهر
التخلف
في النمو القومي العربي. لتكريس
هذا
المبدأ. فلقد
اعتبرت هذه
الدول أن تجزئة الوطن العربي
و خلق حاجز/ دولة تفصل مشرق
الوطن عن مغربه يسهل عملية
السيطرة عليه. أخذت
عملية د
ق اسفين في الجسد العربي
أبعادا
ثقافية
و نفسية و تاريخية حتى تفشل
أية محاولة وحدوية مستقبلية.
لذلك
فان الدوائر
الاستعمارية
سعت إلى:
أ
ـ بناء
دولة تفصل مشرق الوطن عن مغربه.
على أن تكون الدولة الحاجز
متناقضة مع التكوين الحضاري
للمنطقة و
جزءا لا يتجزأ من المنظومة
الفكرية و الحضارية للدول
الغربية.
ب
ـ أن تكون قاعدة
ا لدولة الجديدة
دينية بحيث
يفتح المجال واسعا لادعاء
ضرورة قيام" دولة مسيحية"
وفي كل الحالات يعطي تبريرا
أخلاقيا للتدخلات الغربية
بدعـوى حماية الأقلية المسيحية.
ج
ـ تحويل ما
تبقى
من الوطـن العربــي إلى دول
قزمية متصارعة فـيمـا بينها
ضعيفة تابعة للقوى الغربية
الكبرى و هـكـذا يـعـيش
الوطن العربي
دوامة
الـحروب
الـدينية و الـعـرقية
والـطائفية حتى تسهـل عملية
السيطرة على ثرواته الباطنية
بعد ضـرب مكـونـاته الفكـرية و
الحـضـارية و الثقافية الواحدة.
د
ـ أن تكون هذه التجزئة بطريقة
تضعف أمل
التوحيد ذلك أن عملية التفتيت
تقوم على قاعدة أخرى و هو إضعاف
الكيانات القطرية
ذاتها أيضا من خلال سلبها
لأي مقومات أو قوى تسمح لها بأن
تلعب دورا توحيديا في المنطقة
العربية. فهناك كيانات تعاني
مشكلة الغنى بسبب صغر حجمها
ووفرة مواردها. و هناك كيانات
تجابه مشكلة الفقر بسبب حجمها و
قلة دخلها بحيث تصبح الحل
الوحيد لمشكلة الغنى و الفقر
بيد القوى الأجنبية التي تستخدم
موارد الغنى لتطوير اقتصادها و
متطلبات معيشتها. و توزع فتات
غناها على الكيانات الفقيرة كي
تبقيها أسيرة هيمنتها و سيطرتها
المباشرة و هكذا تتحكم بالغني و
الفقير على حد سواء. [1]
فالغرب
بزرعه
كيانا غريبا
على
الوطن العربي، تفصل المغرب عن
المشرق و تحويل ما تبقى من
الإدارة العثمانية
والاستعمارية إلى شبه دول أي
إلى دول تتناقض مع المجتمع
القومي و الدولة القومية يحقق
الهدف المركزي لحملته وهو
إحكام
سيطرته على
الوطـن العربي و ضمان
استمراريتها بأقل الخسائر.
ثانيا
:
تشكيل نخبة
مرتبطة بالغرب حارسة لمصالحه
تدافع على مبدأ التفتيت تولت
تسلم مقاليد الإدارة بعد خروج
الاستعمار المباشر. و قد
تكفلت هذه النخبة
بالعمل على إعادة
إنتاج كل مظاهر التخلف في
النمو القومي العربي
لتكريس
الواقع المجزأ التابع
باتجاه المزيد من الاقليمية
و التفكك
و المزيد من التبعية
و الاندماج بالنظام الغربي
العالمي المهيمن. و قد تولت هذه
النخبة بمساعدة
الغرب المادية
أ
ـ
إعطاء مضامين سياسية و اجتماعية
لهذه
الدول بما يساعد على إضفاء
مشروعية مفقودة. وسعت إلى تخريب
التاريخ القومي و نبش التاريخ
القبلي الغابر و جعلت منه
تاريخا قوميا جديدا و هكذا تتم
عملية إعادة كتابة التاريخ
العربي. و تتواجد هذه
النخبة المرتزقة
على رأس مراكز بحث و دراسات
متسترة بالحياد العلمي و "الموضوعية"
لفرض أيديولوجية التفتيت.
.ب
ـ ربط عملية الحداثة بقوى
الهيمنة،
فتصبح الحداثة و المعاصرة هما
النقل الأعمى للحضارة الغربية و
كل ما يخالف المركزية الحضارية
الغربية يوصم بالتخلف
و الرّجعية و السّلفية.
ج
ـ عملية الانسلاخ استهدفت اللغة
القومية كحامل للحضارة فاللغة
القومية تصبح لغة عاجزة على
استيعاب العلم و التقدم ويصبح
تبني لغة المستعمر هي الحل
الأمثل. فهي اللغة
الوحيدة التي تتماشى مع
العصر على حد قولهم. أما اللغة
العربية فهي
لغة الإقطاع و التخلف. .و تحت
شعار الأبحاث العلمية يتم
التنظير
للهجات المحلية كنقيض للغة
العربية
، الأمازيغية و الكردية و
البربرية....
وفي إطار "بحثها العلمي"
و العلماني و كعلامة على تحضرها
تكتشف هذه
النخبة العلمانية جدا دينا
جديدا و تكتشف أن
الدين الإسلامي لا يتماشى
مع العصر و
أنه دين يعادي الديمقراطية و
الحرية و حقوق الإنسان و أن دين
المستعمر هو دين الحداثة و
التسامح.
د
ـ الدعوة إلى أسلوب تنمية
يتناسب مع أساليب المستعمر
لتدمير
البنى الاجتماعية و الثقافية
و يسمح للتبعية بالتغلغل في
النسيج الثقافي و الاقتصادي
لهذه اللامة.
عن
الجامعة العربية
:
بإعلان
قيام الجامعة
العربية تم
الاعـتراف بتحويل ما تبقى
من الإدارة العثمانية الدولة/
الإمبراطورية متعددة القوميات
و الإدارة الاستعمارية صاحبة
الشركات المتجاوزة للقوميات
إلى دول، نجحت
مخططات القوى الكبرى في أن تشكل
هذا الواقع الجديد في منظومة
قانونية شديدة التعقيد. وهكذا
شكلت الجامعة العربية
الغطاء الرسمي الذي تم به
تقنـــين الدول العربية و تقسيم
الأمة. و
شرط الاستقلال السياسي التي
رفعته الجامعة كان غير ذي مضمون
بحيث أنه يشترط التفريط في الوحـدة
و قبول الشروط الاستعمارية.
فالاستقلال كان صوريا فعلى حد
تعبير معن بشور فان الاستقلالات
القطرية في العديد من الأقطار
لا سيما في المشرق العربي لم تكن
في حقيقتها أكثر من تسوية نصفية
قبل فيها المستعمر بمنح الأقطار
العربية استقلالها السياسي
مقابل أن تتنازل القيادات
الوطنية عن مطلبها بالوحدة مع
أقطار أخرى
و إذا كانت تجربة سوريا و
لبنان في مطلع الأربعينات هي
التعبير الصريح عن هذه التسوية
حيث تنازل الوحدويون في البلدين
عن الوحدة مقابل أن ينال
البلدان استقلالهما فان
تنازلات مماثلة أقل صراحة قد
جرت في العديد من الأقطار
العربية الأخرى ناهيك عن
الكيانات الصغيرة في منطقة
الخليج. و قد كان الاستعمار يدرك
جيدا أن الاستقلال السياسي في
ظل كيانات صغيرة تفتقر إلى الحد
الأدنى من مقومات الاستقلال
الاقتصادي و الأمن القومي، و لن
يكون أكثر من عملية شكلية يخرج
بها الاستعمار من الباب ليعود
بمصالحه و شركاته و امتيازاته
من النافذة.[2] لقد كان
تأسيس جامعة
الدول العربية مرتبطا
ارتباطا وثيقا بالتواجد
الاستعمارى و خاصة بريطانيا. قد
أسست بعد عملية التقسيم وحتى
تضفي مشروعية لعملية تفتيت
الأرض العربية بين القبائل
و الشيوخ و الحركة الصهيونية.
فلقد تم فرض 21 دولة
- قطر -
على الأمة العربية من قبل
القوى المنتصرة في الحروب
الأروبية الأولى و الثانية و تم
تقنينه بقيام الجامعة العربية
في سنة 1945.و
لا يوجد حاكم عربي
يستطيع أن يدعي أنه خط حدود
دولته فلم يكن نشاة الدول
العربية إلا تلبية لرغبة
استعمارية و ردة على الد ولة
القومية المفترض قيامها و
مناقضة للحقيقة القومية
الموضوعية. فاصطنعت الحدود و
جعلت منها دولا ممثلة في الأمم
المتحدة و تحاول
القوى الاقليمية تقديم
"أمم"
بديلة في مواجهة وحدة الوجود
القومي العربي فيتحدثون
على وجود أمة تونسية و
أخرى
مصرية أو جزائرية لترسيخ النزعة
الاقليمية في ذهنية الشباب
العربي و تسعى ذات القوى
بالتعاون مع الدوائر
الاستعمارية من
مراكز بحث و معاهد دراسات لم
تعد خافية على أحد. باسم البحث
العلمي، و
الحياد الأكاديمي يتم
تبرير الجريمة. الهدف
النهائي هو إضفاء مضمون اجتماعي
و سياسي و ثقافي و نفسي
للإقليمية
حتى تكتسب
مشروعية. و قد كان مصيرها
الفشل. فقد
دأبت الفئات الحاكمة في
الوطن العربي على تغطية و جود
الدولة أيديولوجيا لتكريس
شرعيتها بتأسيس تاريخ خاص بها
من خلال نبش الحضارات القديمة و
نسبتها لها كالآشورية و
البابلية و الفينيقية و
الكنعانية و الفرعونية ألخ ...و
لكن حتى هذا النبش لم يساعد
الدولة القطرية في الوطن العربي
في اكتساب مشروعية.
بل أكد
مأزق الدول ذاتها لأن البحث
في التاريخ يؤكد أن الوطن
شهد حضارات مختلفة متعاقبة
قامت كل منها على هذه الرقعة
التي تسمى اليوم الوطن العربي و
كان العرب نتاجا لها. إن التوغل
في التاريخ يدعم مسألة الأمة
العربية لأنها كانت نتاج هذا
التاريخ حيث تبلورت سماتها في
ثناياه لتسقط كل النظريات
المستحدثة لتدعيم دول شرعيتها
الوحيدة هي أنها تأسست بقرار
استعماري
[3].
فنجاح
خطة التفتيت بإعلان قيام جامعة
الدول العربية لم يستطع أن
يستبعد قضية بناء الدولة
القومية في الوطن
العربي.
فالدولة تستمد مشروعيتها من مدى
انسجامها مع التكوين القومي.
أما الدول العربية مجتمعة و
منفردة تفتقد إلى المشروعية فهي
المولود الشرعي للإرادة
الاستعمارية. ففي أوج
عصر الدولة القومية في
العالم يتم تقسيم الأمة العربية
إلى العديد من
دويلات
هدفها إعاقة الأمة في حل
مشاكلها المادية و
المعنوية. "عندما
يكتمل التكوين القومي للأمة فان
الدولة المشروعة
التي تتطابق حدودها جغرافيا
و بشريا مع حدود الأمة
التاريخية و تكون الأمة هي
مستند شرعية الدولة. يترتب على
تلك القاعدة أن الدول التي
أسسها الاستعمار أو أوكل
تأسيسها للغير
أو تعاقد و ابرم المعاهدات
لإقامة دول عدة على أرض أمة
واحدة و شعبها هو عدوان بالدول
اكثر خطرا و ابعد أثرا من
العدوان بالجيوش و بالحروب و
الاحتلال و أن تلك الدول
المركبة عدوانا لا يمكن أن
تكتسب شرعيتها بالتقادم و أن
الأمة المعتدى عليها بالدول لن
تجد سبيلا للتحرر و التطور و
الاستقلال إلا بامتلاك المقدرة
المناسبة و الأسلحة المناسبة و
الوسائل المناسبة لتفكيك تلك
الدول العدوانية و إزالتها
تماما و تتبع الآثار المدمرة
التي ترتب على تأسيسه" [4]
بهذا المعنى فان
الدول التي تم تأسيسها
تفتقد إلى قاعدة أساسية إلا و هو
الشرعية التاريخية هذا يعني أن
الدول العربية دول غير مشروعة
طبقا لحق الأمم
في بناء دولتها القومية و إذ
أسست هذه
الدول فان الهدف هو إعاقة هذه
الأمة في بناء دولتها القومية.إن
الدول القطرية المنشورة داخل
الوطن العربي هي ارتداد عن
الدولة القومية و كل عملية
ارتداد على مرحلة اكثر تطورا هي
حركة فاشلة.
و تطرح اليوم بحدة مشكلة
الانتماء في كل الأقاليم
العربية بأكثر
حدة عكس
ما تصوره أجهزة الدعاية. و كلما
فتحت هوامش حريات في أي إقليم
إلا
و عبر الشعب العربي عن انتماءه
القومي العربي و طالب بالوحدة
العربية. لذا لا نستغرب أن الدول
القطرية كلها بدون استثناء
معادية للديمقراطية. فهناك
ارتباط عضوي بين الاقليمية و
الدكتاتورية . فالإقليمي يخشى
الديمقراطية بأبسط
تعريفاتها
و ممارساتها و هو الإصداع
بالرأي لأنه يعرف أن الشعب
عندما يطلب منه الاختيار بكل
حرية سيختار الوحدة العربية
سيدافع عن هويته. عن انتماءه إلى
الأمة العربية.[5]
هذا
الواقع الجديد خلق شرخا في
البنية الفكرية و البنية
الاجتماعية.بنمو ظواهر
الانفصال و التفتت فقد نمت على
الجسد العربي العديد من مظاهر
القبلية و العشائرية و الطائفية
وتغيرت أيديولوجية التفتيت
بتغير القوى الخارجية. أما على
المستوى الفكري فان الصراع بدأ
على أشده بين التيار الوحدوي و
التيار الانفصالي. فالتيار
التوحيدي رفض الأمر الواقع دعا
إلى حق هذه الأمة في بناء دولتها
الواحدة. و تشكلت العديد من
التنظيمات و الجمعيات السياسية
هدفها التحرير و مقاومة عملية
التفتيت. أما رافعي أيديولوجية
التفتيت فحاولوا تبرير الواقع و
الانتصار بوعي أو دون وعي
لأطروحاته الاستعمارية . وجدت
سندها المادي و السياسي في
السياسات العربية الرسمية
مند تأسيس الجامعة العربية التي
ضلت
حبيسة المفاهيم و التقسيمات
التي خضعت لها الأمة العربية مع
بداية الحملة العسكرية.
و
لقد رفعت بعض الأنظمة العربية
شعار الوحدة و التحرير و شعار
التقدم الاجتماعي و لكنها لم
تتمكن من
التخلص فعلا
من المشروع الاستعماري.
لأنها كانت خاضعة في حركتها و
مفاهيم مستنداتها الفكرية على
أساس إقليمي، فبالتالي كانت
عاجزة على تحقيق وحدة الأمة
العربية.
أربعة
قواعد رئيسية ارتكز عليها
النظام الإقليمي العربي و حكمت
مسيرته حتى
حرب الخليج. وحاول المشرفون على
هذه الدويلات
تطوير و تطويع البشر و
المفاهيم من خلال الفعل
الاستعماري حتى
تصبح الدويلة الجديدة
منسجمة مع فكرة الدولة
القومية في الغرب والمفارقة أن
المدافعين عن هده الفكرة نخبة
درست في الغرب و تشبعت بأفكاره و
نهلت من المفاهيم الفلسفية التي
بنى عليها الغرب تقدمه و تطوره.
أولا:
وهي قبول التقسيم
الاستعماري و اعتباره حقيقة
اجتماعية موضوعية. فكل دولة
عربية مهما كانت توجهاتها تعترف
بواقع التقسيم و تعهدت أن تحترم
الحدود التي رسمها المستعمر
ملتزمة
بعدم التدخل في الشؤون الداخلية
للدول العربية الأخرى معتبرة
مواطني الدول الأخرى رعايا
أجانب. بل هنا تتفنن الدولة
الاقليمية في اختراع كل
الأساليب لبناء حواجز الغربة
بين أبناء الأمة الواحدة.
فالدولة القطرية في الوطن
العربي التي
تحلقت حولها مصالح عديدة
داخلية و خارجية تمارس سياسة
تنسجم مع النظام الدولي المهيمن
و قانونه العام فتشبثت
بالسيادة و الحدود داخل الوطن و
تعرقل انتقال
الأشخاص و الأموال و تشدد على
الحدود و تدخل في صراعات دموية
تراق فيها الدماء بين الأشقاء
من شعب واحد و تحتكر الثروات و
تمنعها عن أولئك الأشقاء
لتستثمرها في البنوك و
الدول الأجنبية.
[6]
ثانيا
الارتباط بالأقطاب الخارجية :
إن الدول
العربية قد دخلت الجامعة
العربية و هي لا تعرف من
الاستقلال إلا الإعلان الشكلي
مثل النشيد الرسمي و العلم و
ممثل في الأمم المتحدة و موافقة
الد ولة الحامية بحيث أن تم
الإعلان عن هذا
الاستقلال تم
بعد توقيع العديد من
المعاهدات التي تكفل مصالح
الغرب. وفكرة التضامن داخل
الجامعة العربية تأتي بما لا
يتعارض مع الارتباطات الخارجية.
وقد طرحت المشكلة بحدة في سنة 1955
لما رفض عبد الناصر سياسة
الأحلاف و لما حاول الاستقلال
الفعلي اصطدم بحقيقة الاستقلال
المعلن في مصر.
ودخلت مصر وعبد الناصر في
صراع مع قوى الهيمنة و كان من
الطبيعي أن يشمل الصراع كل
ساحة الوطن العربي حيث
الاستقلال الحقيقي يعني تلك
المقدرة على الاختيار و تحديد
مضامين التقدم منسجمة مع مستوى
تطور المجتمع. ثالثا
التضامن
العربي كبديل مواجه لشعار
الوحدة العربية أو الدولة
العربية الواحدة. ويتخذ من
احترام ميثاق الجامعة العربية
القاعدة في مواجهة أي عمل وحدوي.
هده القاعدة تحمي المصلحة
القطرية من أي طغيان للمصلحة
القومية فكل ما يضر مصلحة
الدولة القطرية يتم تأجيله.
وعلى أساس هذه القاعدة تتم
معارضة بناء
الدولة العربية الواحدة.
و للالتفاف على فكرة الوحدة
العربية. إن القوى الاقليمية
تتحدث عن الوحدة المدروسة و عن
التكامل الاقتصادي لمعارضة أي
عمل وحدوي، و لتبرير ارتباطاتها
بالقوى الخارجية. فالتضامن
العربي كشعار مقابل للوحدة
العربية يتستر
بالواقعية. و لكن حتى فكرة
التضامن بمعنى التعاون لم تجد
طريقها للتنفيذ
نظرا لارتباط أغلب الدول
بالقوى الخارجية.
و المستغرب أن هذه الدعوات
ظهرت في مرحلة المد الوحدوي.
ففي حين كان الشارع العربي
يطالب بالوحدة فان القوى
الاقليمية و الدوائر الخارجية
انتصرت لأدبيات
و تنظيرات و دعوات لأشكال من
التعاون السياسي و تكثيف
اللقاءات الأخوية بعيدا عن فكرة
الوحدة العربية. رابعاــ
معاداة الديمقراطية
لقد انبنى هدا النظام على
معاداة حرية الرأي و تعاقبت على
الوطن العربي حكومات تحت شعارات
اليمين و اليسار و حكمت باسم
التقدمية و الثورية و باسم
الليبرالية, باسم الأصالة و
باسم المعاصرة و لكنها كانت
مختلفة في كل شئ إلا في
معاداة الديمقراطية.
فالدولة القطرية لم تكن منفصلة
عن الدكتاتورية و آلة القمع
لأنه الأسلوب الوحيد للحفاظ على
وجودها أمام
قوة الشارع الذي يعبر كلما
تمكن من سنحت له الفرصة على
انتماءه القومي العربي وعلى
مطالبته بالوحدة العربية.
فالإقليمي يخشى الديمقراطية
لأن فيها تهديدا لتفرده و تسلطه
و تجاوزا لجهازه التسلطي فعلى
قاعدة العداء للديمقراطية ترسخ
و انبنى النظام الإقليمي
العربي. و على هذه القاعدة ـ
الدكتاتورية ـ تداولت على إدارة
الأقاليم العربية أنظمة
متباينة في الأصول الفكرية و
الاجتماعية و متناقضة في
البرامج السياسية و الأشكال
التنظيمية. متفقة على الحفاظ
على واقع التجزئة و على
قمع الإنسان العربي. و
نجد هنا أنفسنا وجها لوجه أمام
التجربة البورقيبية
و تجربة بومدين في الجزائر
فالاثنان كل من موقعه اختلفا في
اختيار المعسكر و تعايشا
تحت مظلة الجامعة العربية و
لكنهما اتفقا على معاداة فكرة
الوحدة العربية. و قد سعا كلاهما
لتنمية وعي وطني مقابل للوعي
القومي العربي. إذ لا زال البعض
يقد مون النموذج البورقيبي
كمثال للنجاح الإقليمي في
تأسيس دولة حديثة.
ففرنسا
لم تتوان
لحظة في
مساعدة الأقلية في حركة التحرير
بورقيبة ضد الأغلبية ذات التوجه
القومي العربي: بن يوسف. وبعد
توقيع معاهدة الاستقلال كثفت من
مساعداتها الاقتصادية و الفنية
و العسكرية
عسى أن تصبح
النموذج في نجاح مي يسمونه
باطلا "بالدولة
القومية" في المغرب العربي.
وعملت النخبة المرتبطة بفرنسا
ثقافة و خيارات سياسية على
تطوير الإقليم و إعطاءه "
خصوصية قومية". حتى يتم
الانسلاخ الكامل عن الانتماء
القومي العربي. لكن الفشل كان
مصير هذه المحاولة [7].
ولم تكن الانقلاب الذي وقع
عن بن بلة و توجهه الوحدوي إلا
في إطار هذا التوجه و هو إفشال
أي نظام وحدوي في المغرب العربي
و عاش المغرب العربي مند
الاستقلال في سنة 1956
إلى نهاية التسعينات على هامش
اللقاءات الثنائية و الفردية و
المزاجية لحكامه، أنظمة رسمية
تعمل على تأسيس قاعدة للدولة
اللقيط و شارع متمسك شديد
التمسك بعروبته و هويته القومية
حالما بالدولة القومية العربية.
" و خلافا لتوقعات الذين سنوا
برامجنا المدرسية و سياساتنا
المحلية و الخارجية
فان مشكلة الهوية اليوم
مطروحة أكثر
من أي وقت مضى في تونس و في
الجزائر و في الأقاليم العربية
الأخرى . و كل يوم تعبر الجماهير
العربية كلما
وجدت هامش من الحرية عن ولاءها
لأمتها العربية و اعتزازها
بهويتها العربي. أما
في المشرق العربي فان الدولة
الاقليمية استخدمت الخطاب
القومي للمحافظة على وجودها و
لتجنب هزات شعبية. فبقدر ما كان
الخطاب قوميا بقدر ما كانت
ممارسات القيادات السياسية
مناقضة للعمل الوحدوي.[8]
مراحل
تطور النظام الإقليمي العربي:
.يمكن
تقسيم النظام الإقليمي العربي
إلى ثلاث مراحل كبرى و هدا
التقسيم منهجي هدفه
المسك بنقطة البداية و
النهاية. الولادة والوفاة.
فالأمة العربية قادمة على
مرحلة أشد خطورة. و حالة التفتت
قد شملت كل
شئ . و هذا يعني أن الظروف
الموضوعية مهيأة للعمل الخلاق.
فالمطلوب جهدا مضاعفا، و
عملا دؤوب حتى تتمكن القوى
الوحدوية من توظيف حالة
الانهيار الذي يعيشه النظام
العربي الإقليمي
لفرض الخيار الوحدوي بأقل
الآلام و الخسائر. المرحلة
الأولى و تمتد من نهاية الحرب
الأوروبية الأولى إلى حرب
السويس تبدأ
هذه المرحلة مع نهاية الثورة
العربية الأولى 1918
و بداية الإعلان عن استقلال بعض
الدول العربية و ما صاحبها من
شبهات سواء بناء مملكة آل سعود
أو إعلان استقلال بعض الدول مصر
سوريا لبنان و لقد ظهرت في هذه
المرحلة حركات تحرر
عربية
في كل إقليم
و بدت شعارات المرحلة
متداخلة متنافرة أحيانا
ملتقية أحيانا أخرى لكن أغلبها
تدعو للعروبة
للوحدة العربية
ولم يكن دفاع هذه
الحركات المستميت
ضد المستعمر ينظر إليه من منظور
قطري أو إقليمي فلقد كانت كلها
عروبية التوجه إلا التيار
الليبرالي سواء كان تحت
التأثير البريطاني أو تحت
التأثير الفرنسي فانه كان في
أغلب الأحيان من دعاة التعاون
مع الاستعمار. أما قادة التحرر
فكانوا يدافعون على هوية الأمة
و على عروبة الإقليم في وجه
دعوات التنصير و التغريب. ففكرة
الجامعة الإسلامية و فكرة
الخلافة العربية
تلتقي على ضرورة بناء دولة
عربية. فقد كانت النهضة لم تكن
معزولة عن الوحدة
كهدف مركزي في نضالات ذلك
الجيل و إن اختلفت المنطلقات
الأيديولوجية و الدينية. فالهدف
واحد هو المطالبة بجهاز سياسي
يجمع العرب و لما المسلمين و
يدافع عن مصالحهم.
ففي
خضم المعارك المشتعلة مع
الاستعمار تم إعلان استقلال بعض
الدول العربية و لكن استقلال
غير مكتمل.
فتحت أعلام الاستقلال
المتزايد في الوطن العربي بقيت
كل مصادر الإنتاج و كل
الاستثمارات و كل البنوك و كل
شركات التأمين و كل أدوات
الإنتاج الزراعي و الصناعي و كل
وسائل الخدمات تابعة في سوق
الإنتاج تبعية مباشرة
للاحتكارات الأجنبية
الرأسمالية.
و لم تكن الأنظمة السياسية
التي صاحبت هذا الاستقلال
الوهمي إلا نسخة مشوهة تابعة
للنظام الرأسمالي في الغرب
و تقدم لنا التجربة المصرية
أحسن مثال لهده التجربة. فقد
كان الفكر الليبرالي و
مبتكراته السياسية من أول
الحرية الفردية المقدسة إلى آخر
الديمقراطية الشكلية يعربد
بدون شريك في الرؤوس العربية
الفارغة و يبيع الليبراليون
أصوات الشعب العربي و يشترونها
في سوق الانتخابات الحرة بينما
بقيت معارك التحرر الإقليمي
قائمة ضد الاستعمار الظاهر في
الأماكن التي بقيت فيها جيوشه
كاد الاستعمار أن يصفي حركات
التحرر في الأقاليم المستقلة عن
طريق التبعية السياسية و
الاقتصادية و الفكرية الكاملة
تحت ستار الاستقلال السياسي.
ففي المرحلة الزائفة التي امتدت
حتى سنة 1952
كانت أقدام المستعمرين على رؤوس
الشعب العربي في الدول المستقلة
أكثر ثباتا منها في الأقطار
التي تقوم الجيوش فيها علامات
ظاهرة على التبعية أن السفير
البريطاني في مصر التي تضم ثلث
الأمة العربية بشرا و تمثل قمة
تقدمها الحضاري كان صاحب الكلمة
الأولى و الوسطى و الأخيرة في
اختيار حكومة مصر رئيسا ووزراء
و لم يكن كل جهاز الدولة من أول
الملك في قصر حتى خفراء الأمن في
القرى إلا تابعين له تبعية
مباشرة. [8]
فاعلان
استقلال بعض الد ول و إعطاءها
كرسي في الأمم المتحدة لا يغير
شيئا من أن
هذا النظام الناشئ هو المولود
الشرعي لاتفاقات سايكس- بيكو
القائمة على التجزئة و التفتيت.
المفارقة الكبرى أن هده الدول
ترفع مفاهيم الحداثة و المعاصرة
المطبقة في الغرب أصبحت في
قطيعة مع المفاهيم الفلسفية و
المعرفية السائدة في الغرب و
التي كانت أساس تطوره
و تقدمه
المادي و الثقافي.
هذا الأساس هو الدولة
القومية و هنا يتجلى لنا بوضوح
الوجه الآخر للغرب فأمام الأمة
العربية فانه هنا يساعد في ضرب
المقومات
القومية العربية أي مكونات
الأمة العربية و يسعى في تحالف
غريب مع قوى محلية في النبش في
الماضي الإقليمي لإعطائه "مضامين
قومية" جديدة. و قد انتهت هذه
المرحلة بهزيمة 1948
و إعلان قيام دولة الكيان
الصهيوني. و قد أثبتت هذه الدول
عجزها في مواجهة مجموعة من
العصابات المسلحة. و
هكذا كانت ثورة 1952
ثورة ضد الحضور الاستعماري
المباشر و غير المباشر الحضور
العسكري و الحضور الثقافي. ثورة
ضد هزيمة الدول العربية في
مواجهة زرع " إسرائيل" في
قلب الوطن العربي،
و انكشاف ارتباط عدد من
الحكومات العربية بالقوى
الاستعمارية. و لئن بدأ التغيير
الثوري من مصر فذلك يعود إلى
الدور الأساسي و المركزي لمصر
داخل الوطن العربي. فبدايات
النهضة انطلقت أيضا
من مصر لتشع على باقي أرجاء
الوطن. المرحلة
الثانية و تمتد من ثورة 1952 إلى
حرب 1973
خلافا
للمرحلة التي سبقت 1952
فان النظام العربي الإقليمي
سيعيش محاولة
جدية للتغيير الثوري، و تجربة
صادقة لإعطاء مضامين جديدة
للتغيير النهضوي في الوطن
العربي. فالمحاولة تمت عن طريق
توظيف إمكانيات الدولة
القطرية العسكرية و الاقتصادية
لصالح القضايا القومية.
و قد تمكن عبد الناصر
فعلا من فرض نمط من العلاقات
أ جبر فيها الحكام العرب على
الأخذ بعين الاعتبار أولوية
القضايا القومية على المصالح
القطرية. و قد خاض عبد الناصر
صاحب الحس الثوري الراقي تجربة
نامية متطورة مستخدما أسلوبا
ثوريا جديدا في الحقل السياسي
العربي.فمن خلال الارتطام
بالواقع اكتشف عبد الناصر أن
التنمية و الاستقلال السياسي و
التقدم لا يمكن أن يتحققا إلا من
خلال النظرة القومية الشمولية.
فمنذ قيام الثورة بإعلان
المبادئ الست و حرب 1956
إلى اعلان أول تجربة وحدوي في
الوطن العربي 1958
بين مصر و سوريا إلى نكسة 1967
و حرب الاستنزاف إلى نجدة اليمن
كانت كلها حروبا مفتوحة بدون
استثناء ضد التبعية بكل أشكالها
و تمظهراتها.
فهو أول قائد عربي يواجه
الاستعمار الجديد الخفي فلا
يضلله الأسلوب.
يعرض عليه ما هو أشد الحاجة
إليه المساعدات المادية و
القروض مقابل أن يسكت على
الوجود الاستعماري
فيقول لا و يرفض التبعية. و
هو أول قائد عربي يواجه
الاستعمار من موقع قيادته لدولة
إقليمية فلا تخدعه الحدود، و
يعرض عليه ما هو أشد الحاجة إليه
استقرار السلطة مقابل أن يكف عن
المطالبة بالوحدة العربية
فيقول لا و يخوض المعركة في
ساحتها الحقيقية و هو أول قائد
عربي يواجه الاستعمار بدون
نظرية، فلا تغريه التنمية
الرأسمالية و يعرض عليه ما هو في
أشد الحاجة إليه
النمو السريع مقابل أن يرفض
الخيار الاشتراكي فيقول لا و
يختار الاشتراكية... باختصار أن
عبد الناصر هو أول رئيس دولة في
الوطن العربي فهم مشكلة
الاستعمار على حقيقتها القومية
و الاجتماعية و حاول أن
يحلها حلا صحيحا
لذا استحق لقب بطل حركة
التحرير العربية . إن عبد الناصر
قائد ثورة 52
لم يكتشف كل هذا طبقا لنظرية
سابقة التقى عليها
الضباط الأحرار في مصر إنما
اكتشفها من خلال محاولة تحقيق
تلك الغاية المحدودة .. تحرير
مصر من الاحتلال الإنجليزي و
التخلف الاجتماعي و لم يكن يملك
في البداية إلا الإصرار على
تحقيق هذه الغاية. و إذا به من
خلال عشرات المحاولات التي
تجسدت في أشكال متنوعة و مختلفة
يكتشف أن مصر التي يصر على
تحريرها هي جزء من أمة لا يمكن
أن تتحرر إلا معها ببناء دولتها
الواحدة. و أن التنمية المستقلة
لا يمكن أن تتأتى إلا من خلال
التحرر من أخطبوط الرأسمالية. ويعود
نجاح عبد الناصر في فرض هذه
المضامين إلى عاملين اثنين 1ـ
الدور المركزي لمصر حضاريا
ديمغرافيا و استراتيجيا
فقد كان عبد الناصر واعيا
للدور الريادي لمصر داخل الوطن
العربي و هو
في كل الحالات كان في حالة
الدفاع أي في مواجهة قوى معتد ية
من الخارج. و لكنه
في كل الأحوال كان يتحرك من
موقع قيادة الجماهير العربية من
المحيط إلى الخليج فالجماهير
العربية كانت تعتبر جمال عبد
الناصر قائدها و هو لم يكن
قائدها بحكم وظيفته كرئيس لإحدى
الدول العربية بل كان قائدها
بحكم تصديه للدفاع عنها في
معاركها التحررية. 2ـ
شخصية عبد الناصر الذي تمكن
من خلق علاقة مباشرة مع
الجماهير العربية على أساس
الانتصار للقضايا القومية
وبالرغم من هذا الثقل الحضاري
لمصر و
الشخصي لعبد الناصر فقد عجزت
الدولة المصرية
في تحقيق النصر المطلوب
و ذلك يعود أيضا لأسباب أخرى
نطرحها في مجال آخر للحديث. و
انتقل عبد الناصر إلى جوار ربه و
هو بدون منازع زعيم للأمة
العربية ولكنه كان بين قوتي جد ب
هموم الدولة المصرية بما
تمثلها من صراعات داخلية و
مستحقات دولية و مشاكل قومية
تطالبه بالالتحام اكثر بقضايا
الأمة العربية و اعلان القطيعة
النهائية مع الأنظمة العربية
الرجعية. كانت هزيمة 1967
هزيمة للدولة المصرية و لكن
كانت إعلانا بمصداقية الخيارات
القومية لقد بات واضحا أن تقدم
مصر و أن أمن مصر
جزء لا يتجزأ من تقدم و أمن
الأمة العربية.
لقد كانت تجربة عبد الناصر
هي المحاولة الوحيدة الجادة
لتفعيل
الجامعة العربية و إعطائها
نفس تقدمي و قد تمكن فعلا من فرض
محاور للنضال العربي .
لقد كان الصراع داخل النظام
الإقليمي العربي
بين القوى الرجعية و القوى
التقدمية لكن للكل كانت خطوطا
حمراء لا يمكن تخطيها: الاعتراف
بشرعية اغتصاب فلسطين. لقد تمكن
عبد الناصر بحسه الثوري أن يفرض
شعارات ثورية ووحدوية و استطاع
أن يرعب الخونة و يحسبوا له ألف
حساب و
لكنه لم يستطع من إيقاف الخيانة. كان
عبد الناصر واعيا في نفس الوقت
بحجم العوائق
القانونية التي تشل حركته و
تعيقه في المساهمة المباشرة
للعمل الثوري. وهو يعرف من موقع
قيادة حركة التحرر العربية أنه
عاجز عن الإيفاء بهذه المهمة
القومية أي بناء التنظيم
السياسي و أن العوائق الدولية و
المحلية كثيرة
تمنعه من أ داء هذا الدور
بالرغم من العلاقة الخاصة التي
كانت بينه و بين الجماهير
العربية. ففي خريف 1963
أطلق النداء إلى الحركة العربية
الواحدة وقد كان هدا النداء
نداء الفزع من الفراغ السياسي و
التنظيمي الذي تعيشه القوى
الوحدوية آنذاك. و لكنه في نفس
الوقت ذاته كان واعيا أنه يوجه
النداء من
موقع رئاسة الجمهورية المتحدة.
أعلن أنه ليس مسؤولا عنها و أنها
مسؤولية الجماهير العربية. فلقد
كان واعيا ضرورة أن تظل الدولة
تحت قيادته متحررة من المسؤولية
عن نشاط لا يتفق مع طبيعتها و أن
تنشا الحركة العربية الواحدة
متحررة من قيود تبعيتها للدولة.[9]
لقد كان عبد الناصر في قمة
المعاناة و التمزق وبعض الخطوات
التي يفسرها بعض المحللين
بالتناقض ليست إلا تعبيرا على
ذلك الصراع بين الثورة في بعدها
القومي العربي و بين الدولة
المصرية و مصالحها الاقليمية.
ــ كانت الثورة تدفع بعبد
الناصر باتجاه الجماهير
العربية باتجاه تنظيمها و
تأطيرها و إطلاق حركتها العربية
الواحدة و السلطة كانت تشد عبد
الناصر بعيدا عن هذه الجماهير و
عن فكرة العمل المنظم و عن فكرة
العمل الثوري ذاته بعد
وفاة عبد الناصر خرجت الدولة
الاقليمية من المعركة القومية و
أصبحت تتعامل مع مشكلة فلسطين
انطلاقا من مصلحة الدولة
القطرية. و تمكنت القوى
الاقليمية من أفتاك السلطة و
العودة بمصر إلى ما قبل 1952.
و تحت شعارات عدة تمكنت القوى
الاقليمية من نسف المكاسب التي
تحققت في عهد عبد الناصر. و لئن
تمكنت الجماهير من فرض حرب 1973
التي أعدها عبد الناصر لإزالة
آثار العدوان. فان القوى
الاقليمية حاولت توظيف هده
الحرب، لضرب المكاسب القومية في
عهد عبد الناصر و حاولت تشويه كل
ما هو نبيل في التجربة الناصرية. الدولة
القطرية لا تملك إلا الخطة التي
يمكن بها إن تحافظ على وجودها
كدولة. و ليست على استعداد أن
تدخل أية حرب إذا كانت هذه الحرب
تهدد وجودها إن المصلحة القومية
تأتي في آخر اهتمامات الدولة
القطرية. الخطابات القومية
هدفها الابتعاد عن أصابع
الاتهام من قبل الجماهير
العربية.و قد كانت حرب 1973اقصى
ما يمكن أن يقدمه التضامن
العربي عجزت الأنظمة العربية
حتى عن توظيف هدا النصر المحدود.
و ذلك يعود في نظرنا لتعدد الدول
فتعدد و تضارب المصالح فكل دولة
عربية شاركت في الحرب انطلاقا
من مصلحتها كدولة أولا و عندما
ارتاب أن هناك طرق أخرى في
استرجاع ما كانت تعتبره
أراضيه. و لم تتوانى لحظة في
التراجع دون حتى علم الدولة
الأخرى. و يمكننا أن نقول أن حرب 1973
هي آخر الحروب التي تقودها
الدول العربية ضد الحركة
الصهيونية. المرحلة
الثالثة و تمتد حتى حرب الخليج :
لقد
كانت حرب 1973
أقصى ما قدمه التضامن بين
الأنظمة العربية و التنسيق
فيما بينها. ومنذ هذا التاريخ
و النظام العربي في اتجاه
الانهيار و لا نريد هنا سرد ما
وقع ولكن الذي
يهمنا هو أنه
منذ 1974
والإقليمية العربية مجسدة في
دول أو منظمات تمارس شتى أصناف
القمع و الإرهاب على القوى
الوحدوية. وفي
هذه المسيرة التآمرية
تم ضرب مصالح الأمة العربية
وأوصلتنا الخيارات
الاقليمية إلى الفشل الذريع على
كل المستويات السياسية و
الاقتصادية و العسكرية. و أصبح
الفشل مقترنا بهذا الجهاز
الدولة القطرية..و تمكنت الدولة
الاقليمية من فرض واقع جديد
يتميز بالتهرب من المسؤوليات
القومية لصالح الدولة الفطرية.
الخطوة
الأولى: عزل مصر عن دورها القومي:
إن
القوى الاقليمية التي افتكت
جهاز الدولة في مصر مكنت
الصهيونية من تحقيق أحد أهم
أهدافها ألا وهو إعاقة مصر
في أداء دورها القومي. و أوقفت
القوى الاقليمية في مصر بقيادة
السادات الاشتباك
مع الكيان الصهيوني. و أبرمت
مع العدو معاهدة
وبذلك حققت
حلما طالما راود الصهاينة
و قوى
الاستعمار
العالمي. فقد غنم العدو بموجب
المادة الخامسة مرور سفنها في
قناة السويس ومداخلها
و اعتبرت أن مضيق تيران و
خليج العقبة من الممرات المائية
الدولية المفتوحة لكافة الدول و
بذلك تسقط المعاهدة الصفة
التاريخية و القانونية لعروبة
خليج العقبة باعتباره بحرا
داخليا عربيا. و أصبحت مصر
بمقتضى هذه المعاهدة خارج أي
التزام عربي رسمي
فمما جاء في المادة السادسة
من المعاهدة أن مصر و"
إسرائيل"
تنفذان التزاماتهما بحسن
نية الناشئة عن هذه المعاهدة
بصرف النظر عن أي فعل أو امتناع
عن أي فعل من جانب طرف آخر و بشكل
مستقل عن أي وثيقة خارج هذه
المعاهدة و يتعهد الطرفان بعدم
الدخول في أي التزام يتعارض مع
هذه المعاهدة بما يعني وضع قيود
قانونية على التزام مصر بمعاهدة
الدفاع العربي المشترك
الخطوة
الثانية: عزل المقاومة في
فلسطين بفلسطنتها:
بعد
نجاح القوى الاقليمية و الحركة
الصهيونية العالمية من انتزاع
مصر من قلب المعركة بدأت
الاقليمية العربية على عزل
المقاومة العربية و إيقاف نمو
هده المقاومة
العربية في فلسطين إلى حركة
قومية تمتد
إلى كامل الوطن العربي تعمل من
أجل التحرير و الوحدة. فحاصرت
الاقليمية العربية أنظمة و
منظمات الفدائيين
العرب ودفعت
بعض القيادات
في اتجاه تبني فلسطنة
القضية و اشترت في ذلك ذمم
قيادات المقاومة ليصبح الهدف هو
بناء كيان فلسطيني بعيدا عن
الاهتمام بالقضايا القومية:
مشكلة الوحدة و مشكلة الحرية و
البناء الديمقراطي. و تمكنت
الاقليمية العربية من وضع حاجز
بين الفدائيين و الجماهير
العربية و حولتها من حركة تحرير
فلسطين إلى حركة تحرير فلسطينية.
و حتى تتهرب الدول العربية
من محاكمة الجماهير العربية
رفعت عدة شعارات كلها تصب في
اتجاه التنصل من المساهمة في
المعركة القومية و تبرير
التقاعس و كان أول الشعارات هو
مسؤولية
شعب فلسطين عن تحرير فلسطين كأن
الهدف من هذا الشعار هو إعفاء
الدول العربية من المواجهة. و هو
حديث يخالف الحقيقة الموضوعية
وهي أن فلسطين جزء من الأمة
العربية وهي ملكية لكل الأجيال
العربية فان
مسؤولية تحريرها
هي مسؤولية كل الشعب العربي من
المحيط إلى الخليج. كما أن عرب
فلسطين مسؤولون
عن تحرير الانسان العربي من كل
مظاهر الظلم الاقتصادي و
السياسي الذي يتعرض له الانسان
العربي. الشعار الثاني الذي
روجت له الاقليمية العربية
و هو استقلال الدول العربية
عن الثورة الفلسطينية و استقلال
الثورة الفلسطينية عن الدول
العربية و قد تم هذا مند سنة
1974
بتوقيعها على ميثاق الجامعة
العربية بهذا الشعار تمكنت الد
ول العربية من عزل حركة
المقاومة عن الحاضنة على حد
تعبير المفكر القومي عبد
الله
الريماوي، فصلوها عن الجماهير
العربية سندها الحقيقي في معركة
التحرير
و
خيرت التعامل مع أجهزة القمع
ومع دول
غير المشروعة. فعوض أن تنمو
المقاومة بين الجماهير العربية
و معها في اتجاه تحرير الانسان
العربي قبلت طعم الأنظمة
العربية، عزلت نفسها فانعزلت،
فلا لوم على جماهير الأمة
العربية. إن
جماهير العربية قد قدمت الكثير
و لكن القيادات الفلسطينية
المرتبطة بالأنظمة العربية
قد تحالفت مع أعداء
الجماهير العربية، الدولة
الاقليمية القمعية. أما عن عدم
تدخل الدول العربية في الشؤون
الفلسطينية فهو قول اقل ما يقال
عنه منافق
فما انفكت الدول العربية تتدخل
في شؤون المقاومة و تملي عليها
شروطها وقد استعملوا كل أساليب
الابتزاز لتصفية المقاومة و
الحيلولة دون تحولها إلى حركة
مقاومة قومية.
الخطوة
الثالثة: تدمير أية محاولة تقدم
علمي أو تقني تظهر في أي إقليم :
و
حرب الخليج التي سبقها هجوم
عسكري سنة
1982
على المفاعلات النووية
العراقية، كان هدفها هو تدمير
القدرات العلمية و التقنية في
العراق .
وفي هذه الحرب أثبت النظام
الإقليمي هشاشة بنيانه و بين
بما لا يدع مجالا للشك أن أسسه
استعمارية و أن أعمدته هو
التواجد
المباشر
للقوات الأجنبية فبهذه الحرب
تم فيها
وأد ما عرف بالتضامن العربي
إذ خرقت العراق ميثاق الجامعة
العربية تحت
ضغط الأزمة الاقتصادية التي
تسببت فيها دول الخليج
و خاصة الكويت. و بدون أي
ضابط يضم صدام حسين الكويت و
ترتكز القوات الأمريكية في
الخليج و يتعرض العراق لعملية
تدمير لا مثيل لها بمشاركة جيوش
عربية تحت قيادة أمريكية. فإذا
كان الهدف الظاهري هو الكويت
فان المبيت هو تدمير القدرة
العسكرية و العلمية التي تمكنت
منها العراق بعد حربها
ضد الاستعمار الفارسي و
أصبح الخليج تحت هيمنة مباشرة و
العراق مفتت و محاصر.
الوحدة
أو المزيد من التفتت:
لقد
تمكنت الاقليمية العربية من
محاصرة المقاومة
ودفعت بها إلى الجلوس مع
العدو وانتهت إلى توقيع ما عرف
باتفاقيات أوسلو ومدريد و مخيم
داود و غيرها. و مكنت الاقليمية
العربية العدو
من تحقيق مكاسب لا يمكن حصرها
بتوقيع هذه اتفاقية[10] . فقد
اعترفت أغلب دول العام بدولة
"إسرائيل" و أقامت معها
علاقات ديبلوماسية
و تضاعفت صادرات "إسرائيل"
خلال الفترة من 92ـ95
بسبب الأسواق الجديدة التي
افتتحتها . أن 36
دولة جديدة قد أنهت مقاطعتها لـ"إسرائيل"
و أقامت معها علاقات ديبلوماسية
كاملة خلال العامين الماضيين
فقط و
هاهي الإقليمية العربية تهرول
في اتجاه العدو متناسية حتى
مواثيق الجامعة العربية و تدفقت
رؤو س الأموال من خلال الشركات
التي لم تعد تخشى المقاطعة
العربية و
بالنسبة للصهيونية مفاجئة كبرى
" بينما كنا نحن الاسرائلين
متخوفون من العرب فوجئنا بهم في
مؤتمر الدار البيضاء يهرولون
إليها ليس فقط بالمصافحة و
الابتسامات و إنما أيضا
بالزيارات و الاتفاقيات و فتح
مكاتب للعلاقات التجارية و غير
التجارية ..بل و بالإنهاء الفعلي
للمقاطعة, حتى قبل أن يصدر قرار
رسمي بوفاتها من جامعة الدول
العربية و بلم يعد هناك سوى أن
يكمل أصدقاءنا في واشنطن و في
العواصم العربية ما بدأوه بنجاح
و يستخرجوا للمقاطعة شهادة وفاة
رسمية من الجامعة العربية نفسها
خصوصا و إن العرب هم الدين
يقولون دائما إكرام الميت دفنه"[11].
لقد
استدرجت المقاومة في فلسطين إلى
الفخ لإنهاء و جودها المادي و
المعنوي حصرت
نفسها من الداخل
و في القوقعة فانحسرت وفقدت
حاضنتها القومية. تحولت إلى
نظام عربي إقليمي آخر. و حتى
تبرأ الاقليمية العربية
خيانتها ترفع الآن
شعارا اكثر خطورة
و كأنها غير مسؤولة عما أدى
إلى هذه الوضعية . "
إن
القول "نقبل ما تقبله منظمة
التحرير الفلسطينية ليس إلا
قولا باطلا بل هو عدوان على
الأمة العربية يجب رده. و
حتى تكتمل عناصر الخديعة خديعة
الشعب العربي تحدثنا الاقليمية
المهزومة عن الد ولة الفلسطينية
الموعودة. ويغرق
بعض المتداعين للسقوط في الحديث
عن هذه الدولة الفلسطينية
الموعودة و يقولون إن الدولة
الفلسطينية على الضفة و القطاع
ليست إلا جولة أولى أما الجولة
التي ستأتي بعدها. إن هذه الدولة
هي التي ستحرر باقي فلسطين،
الواقع
إننا لم نحرر الضفة و لا
القطاع أو حتى جزء منها
لو تم شيء من هذا و لو في
القطاع وحده ولو في مدينة واحدة
من مدن الضفة لكان نصرا عظيما
ولكان المقدمة لنصر عظيم . "
لكن المعروض حكم مدني ليس له
أية علاقة بمفهوم الدولة و لا
حتى الحكم الذاتي فالوقائع تبين
أ ن المعروض موضوعيا هو التسليم
للعدو و الاعتراف له بشرعية
الاغتصاب، الذي يهم الصهاينة هو
الأرض و قبول العرب بتسليم
أرضهم". [12] وفي
مواجهة العمل الوحدوي كانت
الدول العربية تطرح شعار
التضامن العربي و التعاون
العربي و الوحدة المدروسة و
الوحدة الاقتصادية أولا و بعد
ثلاثين سنة نرى أن الواقع يزداد
تخلفا و أن الدول العربية عاجزة
حتى عن تحقيق تعاون اقتصادي
أو تجاري فما
زال حجم التبادل التجاري بين كل
دولة عربية على حدة و بين الدول
غير العربية أكبر بكثير من حجمه
بينها و بين الدول العربية
مجتمعة بل بعض الدول العربية
ترفض حتى فكرة التعاون العربي و
نراها تشتكي من متاعب العرب و
العروبة و الانتماء العربي و
أنها تحبذ أن تكون مقاطعة
أمريكية فنجدها تجند ما استطاعت
فكريا و سياسيا و اقتصاديا و
دعائيا. ان
التسوية المطروحة اليوم ليست
مجرد قرار دولي يطلب الاعتراف
بالدولة العبرية على حد قول معن
بشور و لا مجرد صك متبادل يجري
التوقيع عليه، التسوية هي اكثر
من هذا هي حركة في أرض الواقع
العربي باتجاه تشكيل أوضاع
سياسية و اجتماعية و اقتصادية
معينة تضمن لـ"إسرائيل"
بقاءها و توسعها و للإمبريالية
مصالحها و احتكاراتها و لقوى
التخلف العربي ديمومتها و
استمرارها. إن التسوية المطروحة
اليوم هي تكريس للتجزئة
الراهنة، بل
تعميق لها و خلق
لأبعاد جديدة. فتتجزأ
الأجزاء و تتجزأ القضية
الواحدة و يتجزأ القرار
الواحد، و تتجزأ المصلحة
العربية الواحدة، فيصبح القطر
في وجه القطر الآخر
والجزء داخل القطر في وجه
الجزء الآخر و الطائفة في وجه
الطائفة و الأقلية في وجه
الأكثرية... بهذا المعنى تصبح
الانفصالية هي القاعدة، ، و
الطائفية و العنصرية و القبلية
هي المقياس
و الاقليمية
هي الإطار. إن مرحلة الحد الأدنى الذي مثلته الجامعة العربية قد انتهت. و أيديولوجية التفتيت تسربت إلى الجسد العربي كمرض الإيدز. إن الدول العربية تتحرك دون حتى الأخذ بعين الاعتبار بوجودها و مصالحها. و مهما تكن صدق نوايا المشرفين الآن علي الجامعة العربية و رغبتهم في الإصلاح و التصحيح فالدول العربية تخضع لتواجد عسكري مباشر و أن استقلالها السياسي شبيه باستقلال الباي في وجود قوات الحماية الفرنسية في المغرب العربي. إن الدول العرب |